المقريزي

108

المقفى الكبير

وكان مفوّها حسن البديهة شاعرا حاضر الحجّة علّامة عارفا بالمواليد والوفاة وأيّام الناس . وكان غزير الحفظ ، لا يملّه جليسه من حسن حديثه ، وكان كريما . وكان كلّما كثّر عليه جليسه كثر إقباله عليه . توفّي في سنة سبع وستّين وثلاثمائة ، وصلّى عليه أبو إسماعيل الرسّيّ . وزاد الأنماطي « 1 » وابن عساكر في تاريخه : يوم الثلاثاء سلخ ذي الحجّة [ سنة 367 ] . وقال العتقيّ : توفّي ليلة الثلاثاء لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة سبع وستّين وثلاثمائة ، وهذا هو الصحيح . قال ابن زولاق « 2 » : وسنّه ثمان وثمانون سنة . [ تولّيه قضاء مصر ] قال الحافظ عبد الغني : ولي [ قضاء ] مصر سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة ، فأقام على القضاء ثماني عشرة سنة . سمعت الوزير أبا الفرج يعقوب بن يوسف - يعني ابن كلّس - يقول : قال لي الأستاذ كافور : اجتمع بالقاضي أبي الطاهر فاقرأ عليه منّي السلام وقل له : بلغني أنّك تنبسط مع جلسائك ، وهذا الانبساط يقلّ هيبة الحكم . فلقيت القاضي أبا الطاهر فأعلمته بذلك ، فقال : اقرأ عليه السلام وقل له : لست ذا مال أفيض به على جلسائي ، فلا يكون أقلّ من خلقي . فأخبرت الأستاذ بمقالته ، فقال لي : لا تعاوده ، فقد وضع القصعة . ( قال ) : فحدّثت القاضي مالك بن سعيد بهذا فقال لي : فكان الأستاذ يملأ القصعة « 3 » . [ حسن جوابه للمعزّ الفاطميّ ] وممّا استحسن من القاضي أبي الطاهر أنّه لمّا [ 79 أ ] تلقّى المعزّ لدين اللّه بالإسكندريّة وجلس عنده ، سأله المعزّ عن أشياء ، منها أنّه قال : يا قاضي كم رأيت خليفة ؟ فقال : واحدا . فقال له : من هو ؟ قال : أنت ، والباقون ملوك . فأعجب بذلك . وقال غيره : كان هذا القول لسبع عشرة خلت من شهر رمضان سنة اثنتين وستّين وثلاثمائة . فاستحسن المعزّ ذلك من قوله على البديهة مع علم المعزّ أنّ أبا طاهر قد رأى من بني العبّاس ثمانية : المعتضد ، والمكتفي ، والمقتدر ، والقاهر ، والراضي ، والمتّقي ، والمستكفي والمطيع « 4 » . قال الحافظ عبد الغنيّ : وكان فيما سأل المعزّ

--> - ( ت 294 / 906 ) ، ترجم له الذهبي في التذكرة ، ( رقم 689 ) . وأحمد بن يحيى هو أبو العبّاس ثعلب صاحب المجالس ( ت 291 / 903 ) . انظر وفيات الأعيان ، رقم 43 ، والتذكرة 686 . ومحمد بن عبدوس محدّث بغدادي ( ت 293 / 905 ) ، تذكرة الحفاظ ، رقم 704 . ( 1 ) الأنماطي : أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك المحدّث البغدادي ( 462 - 538 ) . تذكرة الحفاظ رقم 1076 . ( 2 ) الحسن بن زولاق المؤرّخ المصري ( 387 / 997 ) . انظر ترجمته في هذا الكتاب ( رقم 1145 ) . ( 3 ) القصعة هي الجفنة « الضخمة تشبع العشرة » ، وهي هنا « الإناء الذي يوضع بين الرؤساء ليجعل كلّ منهم فيه ما تطيب به نفسه » ( الولاة والقضاة 583 في ترجمة الذهلي ) ، فوضع القصعة كناية عن الطلب . ومالك بن سعيد الفارقيّ : قاضي القضاة في خلافة الحاكم إلى أن قتله سنة 405 ( اتّعاظ 1 / 312 ، الولاة والقضاة 603 ) . ( 4 ) هؤلاء الثمانية خلفوا من سنة 279 / 812 إلى سنة 334 / 946 ، وكان يمكنه أن يعرف عبّاسيّا تاسعا ، وهو الطائع الذي تولّى سنة 363 / 974 ، وفي كتاب الولاة والقضاة 584 ، أنّه رأى منهم عشرة .